غزة – أعرب مركز غزة لحقوق الإنسان عن بالغ قلقه إزاء التصاعد المتسارع في الخطاب الإسرائيلي الرسمي بشأن مستقبل الوجود الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية، محذرًا من أن هذا الخطاب لم يعد يقتصر على مواقف سياسية فردية أو تصريحات موسمية، بل يتجه بصورة متزايدة إلى طرح سياسات تقوم على تقليص الحيز الجغرافي المتاح للفلسطينيين وسلبهم مقومات الحياة وإفقادهم إمكانية البقاء والتطور داخل أرضهم تمهيدًا لدفعهم نحو الهجرة.
ورأى المركز في بيان له اليوم الاثنين أن التصريحات المتكررة الصادرة عن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش تقدم مثالًا واضحًا على هذا المسار، مشيرا إلى خطة سموتيرتش لقطاع غزة والتي كشف عنها في لقاء نشر على القناة 14 والتي تتضمن إبقاء الوضع الحالي كما هو مع زيادة الضغط في حشر الغزيين في ال30% المتبقية من القطاع مع إفقادهم الامل في المستقبل.
وادعى سموتريتش أن “الحل يكمن في حرمان العدو من الأمل وفرض السيادة .. المفتاح الأهم للهجرة هو سلبهم الأمل .. لا يمكننا تحمل وجود مليوني نازي يعيشون على حدودنا. لذلك، علينا أن نضم المنطقة حتى الخط الأصفر”.
كما أشار المركز الحقوقي إلى أنه سبق لسموتريتش أن أعلن في مايو/أيار 2025 أن غزة ستتعرض لـ”دمار كامل” وأن سكانها سيحشرون في منطقة ضيقة في الجنوب قبل أن “يفقدوا الأمل” ويدركوا أنه لا يوجد ما يمكن البحث عنه في غزة ويتجهوا إلى الانتقال إلى دول أخرى. كما أعلن لاحقًا أن إسرائيل ستفرض سيادتها على الضفة الغربية وأن قيام دولة فلسطينية لن يحدث في ظل وجوده في موقع المسؤولية.
واعتبر المركز أن خطورة هذه التصريحات لا تكمن في مضمونها السياسي فحسب وإنما في اجتماعها مع سياسات وإجراءات إسرائيلية ميدانية تؤدي إلى تقليص المجال المتاح للحياة الفلسطينية في غزة وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من القطاع بالتوازي مع توسيع الاستيطان وفرض الوقائع الجديدة في الضفة الغربية.
وأشار مركز غزة كذلك إلى التصريحات الأخيرة لوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير الذي أعلن في 27 سبتمبر/أيلول 2026 أنه في حال توليه وزارة الدفاع سيعمل على العودة إلى مستوطنة نيسانيت وإلى كامل المنطقة الشمالية من قطاع غزة وإلى “كل غزة” مع مواصلة الاستيطان وتشجيع الهجرة. وجاءت هذه التصريحات في فعالية سياسية قبيل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
وأكد المركز أن الدعوة إلى إعادة الاستيطان الإسرائيلي في قطاع غزة لا يمكن فصلها عن الدعوات إلى نقل السكان الفلسطينيين أو دفعهم إلى الهجرة.
وشدد على أن الاستيطان في الأراضي المحتلة ونقل سكان دولة الاحتلال إليها محظور بموجب القانون الدولي الإنساني كما أن النقل القسري أو الترحيل للسكان المحميين محظور. كما شدد على أن الاحتلال لا يمنح الدولة القائمة بالاحتلال السيادة على الأرض وأن ضم الأراضي المحتلة بصورة أحادية لا يغير وضعها القانوني.
وحذر المركز من أن الجمع بين التدمير واسع النطاق للمساكن والبنية المدنية وبين حصر السكان في مساحات متناقصة ومنع شروط التعافي وإعادة الإعمار ثم تقديم الهجرة باعتبارها المخرج الوحيد لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد خطاب سياسي. فهذا النهج من شأنه أن يحول النزوح المؤقت الناتج عن الهجمات العسكرية إلى واقع دائم ويقوض حق الفلسطينيين في البقاء في أرضهم وحقهم في تقرير مصيرهم.
ورأى المركز أن استمرار هذا الخطاب على مستوى كبار المسؤولين الإسرائيليين يكتسب أهمية قانونية خاصة في ضوء التدابير المؤقتة التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل. فقد أمرت المحكمة إسرائيل باتخاذ جميع التدابير التي في وسعها لمنع الأفعال التي تدخل ضمن المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية ولا سيما القتل وإلحاق الأذى الجسدي أو النفسي الخطير وفرض ظروف معيشية تستهدف إهلاك الفلسطينيين كليًا أو جزئيًا. كما أمرتها بمنع ومعاقبة التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية.
وشدد المركز على أن تصريحات المسؤولين التي تدعو إلى تدمير غزة وإفقاد سكانها الأمل ودفعهم إلى الهجرة أو إلى إعادة الاستيطان الإسرائيلي تكتسب أهمية إضافية عندما تصدر عن مسؤولين يمتلكون سلطة فعلية على سياسات الدولة أو على الإدارة المدنية والأمنية في الأرض الفلسطينية المحتلة.
وأكد المركز أن تكرار الخطاب الذي يستهدف بقاء الفلسطينيين في أرضهم ويصور وجودهم باعتباره المشكلة التي ينبغي التخلص منها أو دفعهم إلى الرحيل يشكل مؤشرًا بالغ الخطورة على القصد التدميري وعلى البيئة التي يمكن أن ترتكب فيها الأفعال المحظورة بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية.
وفي الضفة الغربية -وفق البيان- يبرز الخطر ذاته من خلال الدعوات إلى فرض السيادة الإسرائيلية وتوسيع المستوطنات وضم مساحات واسعة من الأرض مع تقليص الوجود الفلسطيني فيها. وكان سموتريتش قد طرح في سبتمبر/أيلول 2025 خريطة تقوم على إخضاع معظم الضفة الغربية للسيادة الإسرائيلية مع استثناء تجمعات فلسطينية كبيرة وتحت شعار “أقصى مساحة وأقل عدد من السكان الفلسطينيين”.
وحذر المركز من أن تحويل الوجود الفلسطيني إلى متغير ديموغرافي ينبغي تقليصه أو إزالته يمثل إنكارًا للحق في تقرير المصير ويقوض بصورة مباشرة وحدة الأرض الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته. كما أن استمرار الضم الفعلي أو الرسمي للأراضي المحتلة لا ينشئ أي حق في السيادة بموجب القانون الدولي.
ونبه المركز إلى أن تصاعد هذه التصريحات يتزامن بصورة لافتة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، بما يحول الحقوق الفلسطينية ومصير ملايين المدنيين إلى مادة للمزايدة السياسية داخل الائتلاف الحاكم وبين أحزاب اليمين.
وأشار إلى وجود ارتباط بين خطاب الاستيطان في غزة والحملة الانتخابية والسعي إلى استقطاب قاعدة اليمين، كما أن بعض التصريحات المتعلقة بالضم والتهجير صدرت في سياق زيادة الشعبية أو الأصوات وإرضاء القاعدة السياسية في إسرائيل.
وشدد المركز الحقوقي على أن الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني ليست ورقة انتخابية ولا أداة للمنافسة الحزبية في إسرائيل، مؤكدا أن تحويل الدعوات إلى التهجير والضم والاستيطان إلى شعارات انتخابية لا يمنحها أي شرعية قانونية ولا يعفي أصحابها أو منفذيها من المسؤولية عن آثارها.
وطالب مركز غزة لحقوق الإنسان المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لمنع أي خطوات تهدف إلى التهجير القسري أو الدائم للفلسطينيين من قطاع غزة أو الضفة الغربية بما فيها شرقي القدس.
ودعا الدول الأطراف في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية بالوفاء بالتزاماتها في منع الجريمة ومساءلة المسؤولين عن التحريض عليها أو المساهمة في خلق الظروف المؤدية إليها.
كما دعا الدول التي ترتبط بعلاقات سياسية أو عسكرية مع إسرائيل باستخدام نفوذها لوقف أي إجراءات تستهدف تغيير التركيبة السكانية أو فرض السيادة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وطالب الأمم المتحدة والدول الأعضاء فيها برفض أي محاولة لتحويل التهجير الناتج عن الحرب إلى واقع دائم أو تقديم “الهجرة” باعتبارها الحل السياسي لمعاناة الفلسطينيين، مشددا على ضرورة حماية حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم ومنع تدمير مقومات حياتهم ومنع تحويل الدمار والنزوح والحصار إلى أدوات لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي في قطاع غزة والضفة الغربية.



